القائمة الرئيسية
   
  البحث 
 

 

  د. أحمد الخراط 
 
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لا يخفى عليكم أيها الإخوان أن تحقيق النصوص علم قائم برأسه يحتاج دارسه إلى تدريبات متنوعة، والاطلاع على مخطوطات كثيرة تمثّل واقع المخطوط العربي قبل ولوج بابه، ولا يمكن الإحاطة بهذا العلم من خلال لقاء أو لقاءين، لذا اتّفقتُ مع الإخوة الذين نظّموا هذا اللقاء على أن أعرض تجربتي في تحقيق النصوص، الممتدة خلال أربعين عاماً في مخطوطات تتصل بعلوم القرآن وغريب الحديث والعربية، فقد شاركتُ في تحقيق مخطوطات علوم القرآن من خلال كتاب "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي في سبعة مجلدات، وقد صدر عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، ومن خلال كتاب "لطائف الإشارات" للقسطلاني في أحد عشر مجلّداً، وهو تحت الطبع في المجمع، وحققتُ في نصوص الحديث كتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير في أحد عشر مجلّداً، وهو تحت الطبع، كما حقّقتُ في علوم العربية "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" للسمين الحلبي في أحد عشر مجلّداً، ورصف المباني للمالقي في مجلّد واحد.

وكما بذل السلف في تراثنا العريق هذا الجهد العظيم يلزمنا نحن الخلف أن نبذل جهداً مماثلاً لإماطة اللثام عنه بإتقان تحقيقه ونشره.

وفن تحقيق النصوص أيها الزملاء فن إسلامي أصيل، وهو بكل تفاصيله من صناعة المسلمين الذين طبّقوا عملياً جوهره وروحه ومعالمه، ومن هنا فإننا نقبل مقولة أنّ المستشرقين بدؤوا في نشر التراث قبلنا، وذلك لأنّ الأمّة كانت هاجعة، وليس لديها المطابع، ولكننا لا نقبل ما قاله الدكتور صلاح الدين المنجّد: "نشر المستشرقون التراثَ متّبعين نهجاً علمياً دقيقاً، وكان على ناشري النصوص من العرب اتباع الطريقة العلمية التي يتبعها المستشرقون، والاطلاع على قواعدهم و اقتباسُها". ويقول:" إنّ هذه القواعدَ التي نقدّمها استقيناها من منهج المستشرقين الألمان ومن خطة غيوم بوده" (تحقيق المخطوطات ص 8)، ولا نقبل كذلك ما قاله الأستاذ عبد السلام هارون:" ثم كان أكبر وسيط عربي في نقل فنّ التحقيق عن المستشرقين العلاّمة أحمد زكي" أ.هـ، وأنا أجزم أنّ سلفنا هم أصحاب هذا الفن من أوّله إلى آخره، وقد نستثني بعض الجوانب المستوحاة من روح العصر، ولكل عصر طرائقه ومعطياته وآلياته، ولي كتاب في هذا الباب بعنوان: "منهج البغدادي في تحقيق النصوص اللغوية" بيّنت فيه طريقة تعامل هذا العلَم مع التحقيق علماً وفنّاً، وأثبتّ فيه صحّة دعواي في ذلك.

أيها الزملاء، عندما نطالع غلاف الكتاب التراثي يستوقفنا اختلاف المحقّقين في إثبات المصطلح الذي يكشف عن طبيعة عملهم في الكتاب الذي حقّقوه، يقول بعضهم: شرح وتحقيق فلان، ويضيف بعضهم: تعليق، وبعضهم: تقديم، وبعضهم يقول: قابله بأصوله، أو يقول: ضبطه وفهرسه، وغير ذلك من المصطلحات التي تدخل ضمن مصطلح "تحقيق"، وذلك لأنّ تحقيق النصوص يعني إعدادها كما يريد مؤلّفها مع خدمتها، وعلى هذا أرى أن يكتفي العاملون في نشر التراث بمصطلح "تحقيق"، على أن يتضمّن نشرهم فعلاً ما سنشير إليه.

ومن الذين يتعاملون مع التراث اليوم فئة يلذّ لها جني المال بالباطل والحرام عن طريق سرقة أعمال المحقّقين والعبث بها لإضاعة الجريمة، أو تقوم بالنشر المشوّه، ومن هؤلاء علَمان عريقان هما: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوّض اللذان أصدرا مئات المجلّدات التراثية في وقت محدّد لا يتجاوز خمس عشرة سنة، عن طريق دار الكتب العلمية في بيروت.

ومن خلال نظرة سريعة إلى رفوف المكتبات، تجد نماذج من منشوراتهم المشوّهة، ومنها تلخيص الحبير 4 مجلّدات، والبحر المحيط 9 مجلّدات، والدر المصون 8 مجلّدات، واللباب 20 مجلّداً، والكشّاف 6 مجلّدات، ومغني المحتاج 6 مجلّدات، وروضة الطالبين 8 مجلّدات، والكامل في الضعفاء 8 مجلّدات، وأحيل طلبة العلم على مقالتي في المجلّد الحادي عشر من الدرّ المصون بعنوان: "سلام على التراث"، وقد بيّنت فيها سطوهم على الكتاب.

أيها الزملاء، أيها الأبناء طلبةَ الدراسات العليا، مدارس التحقيق ثلاث مدارس:

1- التفصيل في التعليقات وخدمة النص، ويمثّلها الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة في تحقيقه لمقتضب المبرّد، فقد تحوّل الكتاب إلى ثلاثة مجلّدات وهو في الأصل مختصر محدود الصفحات، وكذلك منشورات الدكتور رمضان عبد التواب.

2- الاختصار، ويمثّلها الدكتور محمود الطناحي، في تحقيق كتاب " النهاية في غريب الحديث" فقد اكتفى بإثبات النص، وكان يسجّل تعليقاً موجزاً كلّ عشر صفحات تقريباً.

3- التوسط، وهو الذي ندعو إليه وسوف نبيّن معالمه من خلال هذا اللقاء.

أما مراحل التحقيق فتبدأ بمرحلة ما قبل الشروع في التحقيق، وذلك:

أ‌-     بالتعرّف على أهميّة المخطوط الذي عزمتَ على تحقيقه.

ب‌-          وتسجيل أماكن نسخه بالتفصيل، والتفكير في طرق الوصول إلى هذه الأماكن.

ج- وهل سبق تحقيقه، وذلك لأنّ الخدمة العلمية للكتاب من قبل مختصّ يجعلك تعزف عنه، حتى تستثمر جهدك في عمل آخر.

ولا تستطيع أن تستقرّ على اختيار مخطوط معيّن ما لم تصل فعليّاً إلى نسخة واحدة من الكتاب على الأقلّ، لتطلع على أبوابه ومادته فتطمئنّ على أهميته، والقاعدة العامة في رسائل الماجستير والدكتوراه أنّه يفضّل ألا يكون الكتاب كبيراً، حتى تضمن توحيد منهج تحقيقه وتنهيه في الوقت المتاح.

        فإن توجّهتَ إلى عنوان معيّن فانظر في الفهارس المودعة في الشبكة العنكبوتية وفي فهارس مخطوطات المكتبات، وقد صدر عن مؤسّسة آل البيت بالأردن فهرس حافل مفيد، وينفع في هذه المرحلة سؤال مركز الملك فيصل في الرياض وسؤال أهل العلم، والاطلاع على كتاب فؤاد سزكين وكتاب بروكلمان، وسجّل عندك أية معلومة ولو كان الشكّ يحوم حولها، وابدأ بالاتصالات، ولا تحكم على الوصول إلى أي مخطوط بالاستحالة، لأنّ حيازة مخطوط ما عزمتَ على تحقيقه أمر غاية في الأهمية.

        وهذه المرحلة من حياتك العلمية مفعمة بالمفاجآت والإحباط والهموم، فقد تجد كتاباً لفلان في الفهارس ولا تجد اسم هذا الكتاب فيمن ترجم للمؤلف، فالأمر يحتاج منك إلى تمحيص، لأنّ أوهام الفهارس كثيرة. ويلزمك أن تدقّق في فهارس المخطوطات التي عُرف عنوانها وفُقد اسم مؤلّفها، أو عُرف مؤلفها وفُقد عنوانها، فإنّ المجاهيل في عالم المخطوطات أمر واسع وباب عريض.

        إنّ كثيراً من منظّمي الفهارس جهلة فيخبطون في بياناتها. وإذا عزمتَ على الذهاب في مكان فيه مخطوطات تهمّك فحاول أن تنقّب بنفسك. وأذكر أننّي عثرتُ على مخطوطة الدرّ المصون في مكتبة شهيد علي بخط المؤلّف كاملة وليس لها في الفهارس إشارة، واسترخص الغالي والنفيس في مرحلة الوصول إلى المخطوطات، ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.

        ما نزال في مرحلة ما قبل التحقيق، لا يخدعنّك ما سُجّل على غلاف المخطوط من عنوان للكتاب أو اسم للمؤلّف، فقد يكون هذا من عبث النسّاخ. وأذكر أنني سجّلتُ في مرحلة الدكتوراه تحقيق مخطوط سُجّل عليها "إعراب القرآن للحريري" ومضيتُ في التحقيق ما يقرب من سبعة أشهر، وأنا معتقد أنّ المخطوط لصاحب المقامات القاسم بن علي المتوفى سنة 516هـ، ثم تبيّن لي أنّ هذه النسبة له غير صحيحة لأنّه نقل في الكتاب قولاً لعبد الله بن الحسين العُكبَري صاحب الإعراب المشهور المتوفى سنة 616هـ أي بعد صاحب المقامات بمئة سنة فجزمتُ أنّ نسبة الكتاب للحريري فيها نظر، فمضيتُ أبحث عن حريريّ آخر ثمّ رجحتُ أن يكون لحريري مجهول، أو أن لفظة الحريري مصحّفة أو محرّفة، وذلك لأنّ العلماء المعروفين بالحريري منهم الزنديق علي بن الحسين، ومنهم الشاعر محمد بن علي، فألغيتُ التسجيل كلّه، وضاع منّي سنة كاملة لأنّني يعزّ عليّ أن يكون موضوع رسالتي تحقيقاً لعلَم مجهول.

        وفي مرحلة فحص المخطوطات لا يخدعنّك التاريخ المسجّل عليها، لأنّ بعض الناسخين ينقلون التاريخ المسجّل على النسخة التي ينقلون منها لغرض ما، ولا يخدعنّك جمال خطّ النسخة. إنّ أجمل مخطوطات الدرّ المصون وهي كثيرة هي أسوأ هذه المخطوطات من حيث القيمة العلمية، وتحتفظ مكتبة عارف حكمت بها، فلا يخلو سطر واحد منها من خطأ أو خطأين، مع أنّها آية في تجويد الخط.

        ولا تخدعنّك آثار الأرَضة والخروم، فليست دليلاً على قِدم المخطوط. وانتبه لتعدّد الخطوط فقد يُكمّل مالكُ النسخة الأوراقَ الناقصة بخطه وهو رجل جاهل، وقد تكون الأوراق مجلّدة تجليداً على غير هدى، لأنّ القائمين على المكتبة وجدوا المخطوطة مبعثرة الأوراق فجلّدوها من غير معرفة للترتيب الصحيح لأوراقها، وقد تُفاجأ في ثنايا المخطوط بسماع أو إجازة أو إشارة لخط المصنّف أو مراجعته أو قراءة عالم للنسخة.

        وقد تُسرّ من توافر أربع نسخ للكتاب ويغيب عن بالك أنّ ثمّة نسخة قيّمة عتيقة مودعة في شستر بيتي أو الأسكوريال أو يني جامع أو الآصفيّة، فتُخرج نصّاً ضعيفاً مليئاً بالتصحيف والتحريف، في حين أنّ ما غاب عن بالك من النسخة العتيقة يمكن أن تحلّ لك جميع الإشكالات التي واجهَتْك. لقد شنّ الدكتور رمضان عبد التواب مثلاً هجوماً على الدكتور إبراهيم السامرائي لأنّه حقّق رسالة أبي موسى الحامض "فيما يُذكّر ويؤنّث من اللباس" لأنّه اعتمد في تحقيقه على نسختين متأخّرتين، وغفَل عن نسخة الأسكوريال وهي بخطّ الإمام الجواليقي.

        وقد تُسرّ كذلك من وصولك إلى خمس نسخ للكتاب، ولكن بعد الفحص يتبيّن لك أنّ أربعاً منها منقولة عن الخامسة، لأنّها تكرّر تصحيفها وسقَطها وأوهامها وضبطها، فانت في الحقيقة حصلتَ على نسخة واحدة مكرّرة.

        هذا أيها الإخوان طرف ممّا يواجهه المحقّق في مرحلة ما قبل التحقيق، وهي مرحلة جمع النسخ. ثم تدخل مرحلة فحص النسخ لاتخاذ قرار خطير كبير وهو: ما المنهج الذي سوف أسير عليه؟ هل هو منهج تحقيق النص وفق نسخة الأم؟

أو هو منهج تحقيق النص وفق طريقة التلفيق أو التوفيق؟

طريقة التلفيق تُلزمك بوضع درجات لكلّ نسخة، وذلك لمعرفة قدر الاتكاء عليها والاختيار منها في المرحلة القادمة، وهذا مبنيّ على قدمها وتمامها ووضوح خطّها والتصحيف والتحريف والسقط فيها.

        لا تبالغ في أهمية القدم، فقد يكون الناسخ القريب من عصر المؤلف جاهلاً عابثاً مع أنّ قرب النسخة من المؤلّف يعني أصلاً أنّ التغييرات الطارئة على النسخة من المفترض أن تكون محدودة، ولا يخفى عليكم الفرق بين المنهجين منهج الأم ومنهج التلفيق. منهج الأم يعني أن يعتمد المحقّق على نسخة واحدة فيُثبت نصّها لأنّها بخط المؤلف أو تلميذه، أو قُرئتْ عليه أو قرأها عالم، أو قوبلتْ على نسخة نفيسة، يعني أنّ نصّها قريب ممّا يريده المؤلف.

        أما طريقة التلفيق فتعني أنّ المحقق يختار النصّ من مجموع النسخ، فهو يَنشد الصحيح، التامّ، المضبوط، وفي هذه المرحلة ينبغي التمرّس بقراءة المخطوطات فيقرأ كل مخطوطة أكثر من مرّة: كيف يكتب الناسخ ذلك الحرفَ وكيف يرسم التشديد والحركات، وكيف يشطب على سهوه؟ وأين يضع الزيادات؟ وهل يشير إليها بإشارات معينة؟

        وينبغي أن ينتبه المحقق لمصطلح الناسخ في الاختصارات، وينبغي العودة إلى كتب المؤلف الأخرى ليتمرّس بأسلوبه كما ينبغي العودة إلى كتب أخرى لغير المؤلف لفهم موضوع المخطوط جيداً.

        وينبغي الانتباه كذلك في مرحلة التحقيق لمسائل منها:

        1- النسخة اليتيمة الفريدة: إن عزمتَ على تحقيقها فاعلم أنك في خطر دائم وتهديد مستمرّ، وأن لا أمان لك منها، تستطيع أن تعتمد على من نقل المؤلف عنه، أو تعتمد على من نقل عن المؤلف، فتَعدّ كلا النقلين بمنزلة النسخة الثانية للمخطوط. مثلاً عند تحقيقي لرصف المباني، ونسخته المحفوظة في المكتبة التيمورية فريدة، ولكنها مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط مع أنها قريبة جداً من المالقي، اعتمدتُ لتصحيح النص وتقويمه على كتاب "الجنى الداني" لابن أم قاسم المرادي، لأنّ فيه أكثر من أربعين نصاً منقولاً عن الرصف، واعتمدت كذلك على شرح الجمل والمقرب لابن عصفور، والأمالي  للقالي، وقد نقل المالقي عن هذه الكتب كثيراً من النصوص.

        وفي خزانة الأدب للبغدادي والأشباه والنظائر للسيوطي كثير من النصوص منقولة عن كتب قد لا يجد محققوها غير نسخة واحدة، وتم تصحيح كثير من نصوص "لطائف الإشارات" من الدر المصون لأن الدر كان مصدراً رئيساً للقسطلاني في اللطائف. وفي هذه المرحلة مرحلة التحقيق ينبغي الانتباه إلى أن بعض مؤلفات التراث كتبها مؤلفها مرتين أو ثلاثة أو مات قبل أن ينقح كتابه.

        قال الزبيدي في كتاب "البارع" للقالي: "مات قبل أن ينقّحه"، وقال ابن النديم في جمهرة ابن دريد: مختلف النسخ كثير الزيادة والنقصان، ولكتاب اللطائف نسخ كثيرة، منها نسخ عليها سماعات عالية، وعند تحقيقنا للكتاب اعتمدنا عليها كلها، وأثبتنا النص الصحيح من مجموعها، والفيصل في علم القراءات هو ما سجّله أهل العلم من روايات وأسماء لأنها هي العمدة في ذلك، ففي نسخة عليها سماع المؤلف سقط اسم الكسائي، مثلاً من قراءة ثبت أنها له عند جميع المصنفين، وفي نسخة ثانية عليها توثيق المؤلف كذلك يرد اسم الكسائي فيمكن الإفادة منها.

        وفي نسخة من الكتاب سقطتْ لفظة غير من قوله:" وغير المطوعي" في حين أنها واردة في نسخة أخرى.

        ويذكر ابن النديم أن غلام ثعلب زاد في أحد كتبه ست مرات، وكان يزيد في كلّ مرة شيئاً.

        وليكن سؤالك لأهل العلم ديدنك وهجّيراك، ومع ذلك لا يجوز لك أن تضع جواب أحدهم في مقام الجزم فتأخذ به، ولا سيما في المسائل المتخصصة. أنا مثلاً لا أعرف الألمانية، طلبتُ من الأستاذ رشاد عبد المطلب وكان مسؤولاً كبيراً في معهد المخطوطات بالقاهرة يتقن الألمانية أن يترجم لي ما قاله بروكلمان عن نسخ "الدر المصون" أفادني أن نسخة أياصوفيا هي بخط المؤلف فاجتهدت كثيراً لأصل إليها، وتكلّفتُ الكثير في تلك الأيام، وتبين لي أنّ كلام بروكلمان غير صحيح، ثم تبين لي بعد سؤال مترجم آخر أن ترجمة عبد المطلب غير صحيحة.

        أنت الآن في مرحلة تحقيق تعمل على جبهتين:

        1- الجبهة الأولى: الوصول إلى أقرب نص للكتاب يريده مؤلفه من غير تحسينات أو إضافات ليست من أصل الكتاب.

        2- الجبهة الثانية: خدمة النص بتوثيقه وضبطه وشرح مشكله وكتابة مقدمة عنه وفهرسته.

        أما الجبهة الأولى فيلزمك أن تنسخ المخطوط بنفسك، فما عرفتَ قراءته أثبتّه، وما غمض عليك فاترك فراغاً بقدره، واكتب فوق الفراغ: لعله كذا، وتولّ النسخ بنفسك , فليست النائحة كالثكلى، ثمّ قابل الأم بغيرها وأثبت جميع الاختلافات صغيرها وكبيرها في حواشيك التي هي في الصفحة المقابلة للنص، لأنك ستكتب على ورق الفرخ المزدوج، وفي المرحلة الثانية سوف تتخلّص من الاختلافات التي هي من قبيل عبث النسّاخ كالسقط الذي هو من قبيل انتقال النظر والتصحيف والتحريف الواضحين، والاختلافات في كتابة الآيات القرآنية أو الأخطاء النحوية والضبط اللغوي الخاطئ.

        ولا تقل ما دام عندي نسخة المؤلف فما الفائدة من المقابلة؟ يا أخي قد تقرأ الكلمة قراءة خاطئة فتدلك على الصواب النسخة الثانية أو الثالثة، وينبغي الانتباه للزيادات التي تلقاها في النسخ الأخرى غير الأم، وينبغي دراستها بتأن: هل هي من زيادات النساخ أو زيادات مالك النسخة ؟ أو هي من المؤلف، ومن المناسب أن تصحح في منهج الأم مالا يستقيم النص إلا به، فقد تجد ضبطاً صحيحاً في إحدى النسخ، وقد ثبت في الأم خاطئاً فتصحح مع الإشارة في الحاشية، وقد تجد كلمة ضرورية لإقامة السياق فتأخذها من نسخة ثانية، وينبغي أن تضع احتمالاً أن للمؤلف أكثر من نسخة، وإذا كان المؤلف مقتبساً فاعتن بمقابلة كلامه مع أصله فإن سها المؤلف وفي الأصل ما يصحح السهو فاعتمده وأشرْ ، ولا تنس أن تعيد النظر في المقابلة بين ما نَسَخْته بيدك والأصل الذي نقلتَ منه فقد يكون ثمة شيء فاتك أو يكون قد أسقطته سهواً، أو قرأته قراءة غير صحيحة، لأنك لم تكن قد تمرّست بعدُ بالخط جيداً.

        والمحصلة الأخيرة في منهج اختيار الأم ينبغي ألا تثبت فيها حواشي لا قيمة لها لأنّ حصولك على نسخة قيمة تجعل جهيزة تقطع قول كل خطيب، فلا تستسمن ذا ورم. لقد عملت على مخطوطات أم متعددة فالدر المصون نسخة شهيد علي منه بخط المؤلف كاملة، ونسخة الآصفية من الإتقان عليها سماع السيوطي بخطه وإجازته لناسخه، ولدينا في المجمّع نسختان من لطائف الإشارات عليهما سماع القسطلاني، ومع هذا كله تبين لي بعد صحبة طويلة مع هذه النسخ العالية القيمة، أنّ الأئمة المؤلفين قد يهمون، فثمة أوهام في النقل عمن ينقلون عنه من سقط أو تصحيف أو تحريف أو خطأ في الضبط أو أسماء الأعلام أو ألفاظ الحديث، ومن هنا أقول: ليس ثمة نسخ لا يعتريها أي خطأ، ولا سيما في كتب المتأخرين أصحاب الموسوعات كالسيوطي والقسطلاني والسمين، والمحقق عليه أن ينتبه فلا يعطي قداسة لأي نسخة، ولكنّ تدخّله ينبغي أن يكون محدوداً جداً، فإن لم يكن ثمة وجه عدّل وأشار، وإن كان ثمة وجه ولو ضعيفاً أثبت ما لقيه وأشار إلى رأيه في الحاشية.

        وينبغي أن تثبت الرسم الإملائي المعاصر دون النص على الاختلافات الإملائية في الحاشية، وهذا يجعلك تأخذ دورة في الإملاء وعلامات الترقيم قبل البدء في التحقيق، ولا بدّ من اختيار منهج واحد في كتابة الهمزات مع تعدد المذاهب فيها، فمثلاً كلمة يبدؤونه، هل هي متوسطة فنعطيها قاعدة أقوى الحركتين؟ أو هي متطرّفة بحسب ما قبلها؟ أو كُره تتابع الواوين فصارت على السطر؟ أو اكتفي بواو واحدة، أربعة مذاهب في كتابتها، فإذا كتبتها مرة على هذا المذهب، ومرة على مذهب ثان فسيقولون لك: إنّ فلاناً المحقق لا قدم له راسخة في الرسم الإملائي.

        ولا تنس أبداً أن تحقيق النص لا يعني تحسينه واختيارَ أقوى المذاهب في النص ليكون فصيحاً عالياً، ولكن يعني تقديمه كما يريد مؤلفه لا نحن، وفي الحواشي مجال رحب لبيان الرأي الشخصيّ.

        وإذا أجمعتْ النسخ كلّها حتى الأم على لفظة لها وجهها ولكنّ غيرها أصوب منها أبقينا على ما في النسخ وأثبتنا في الحاشية ما نراه مع الدليل . ففي مجال روايات الحديث والآثار مثلاً لا يجوز لك أيها المحقق أن تغيّر اللفظة الواردة في مخطوطتك بحجة أن هذه الرواية لم تعثر عليها في عشرين مصدراً ذكرتْ الحديث، فقد يكون المؤلف ينقل هذه الرواية عن مصدر لم يصلنا، فنحترم روايته إلا إذا ثبت قطعياً أن فيها تحريفاً أو تصحيفاً فتعدّل وتشير، وإذا كان ما كتبته بيتًا شعرياً مثلاً مكسوراً عروضيّاً فلا بدّ من إصلاحه.

        وقد تسقط كلمة (غير) كقول المصنف: "والمطوعي عن ابن محيصن" فكتب القراءات تُجمع على أنّ الصواب: "وغير المطوعي"، عند ذلك لا بدّ من هذه الإضافة بين معقوفين، وقد مررنا بمثل ذلك في أثناء تحقيقنا للطائف الإشارات.

        ولا يجوز الهروب من شرح مشكل النص ومصطلحاته وربط الكتاب بعضه ببعض وتوثيق نصوصه.

        وإذا اخترت طريقة التلفيق أو التوفيق فمعنى ذلك أن مخطوطاتك أقرب أن تكون متساوية في القيمة العلمية، وسوف تصل إلى نص المؤلف من مجموع النسخ، فتختار بستانك من جميع الأزهار. ويجب أن نضع في ذهننا أن ما يقرب من ثمانين بالمئة من مخطوطات تراثنا مليء بالتصحيف واللتحريف والسقط وانتقال النظر والخروم وعبث النساخ، لذا لا يجوز إثبات كلّ اختلاف، إذاً أثقلت حواشيك بما لا طائل من ورائه، وتضخّم الكتاب، ولا ينقضي عجبي من محققين يُثبتون في حواشيهم     – بعد أن يكونوا قطعوا على القارئ تركيز قراءته – من مثل: في   نسخة (ل): "عز وجلّ" لأنّ أخانا المحقق أثبت في المتن "جلّ وعزّ"، ويقول: إن كلمة "تعالى" سقطتْ من (د)، وفي المتن: "الله تعالى"، وسقطتْ من نسخة(م)"رضي الله عنه"، وأسقطتْ نسخة (ل) السطر الفلاني لأنّ الناسخ انتقل نظره إلى كلمة مماثلة، ونشير هنا إلى التخفيف من المعقوفين الحاصرين للسقط، فإذا كان منهجنا الأمّ وسقط منها لفظة أو أكثر، وتم الترميم من نسخة أخرى وضعنا الزيادة بين معقوفين.

أمّا في طريقة التلفيق فلا نثبت المعقوفين، لكيلا يثقل النصّ ويتشتّت ذهن القارئ، يكفي أن نشير إلى الشيء المهم في الحاشية فنقول: قوله كذا سقط من (د).

والأصل في إثبات الخلافات أن تضع احتمالاً أنّ ما أثبته في المتن وتعتقد صحّته قد يراه القارئ مرجوحاً، وما في الحاشية أنسب للسياق، وأذكر في هذا الصدد تحقيقات الشيخ عبد العزيز الميمني والشيخ محمود شاكر، فمن النادر أن تراهما يشيران إلى اختلاف نسخ لا طائل من ورائه.

وبعض المحققين يعملون على مخطوطات تتصل بعلوم القرآن، ويعود تاريخ نسخها إلى قرن كانت تشيع فيه قراءة أبي عمر مثلاً أو يعقوب أو ابن عامر، فيسأل المحقق هل أثبت الآيات وفق نُسَخي أو وفق ما هو شائع في عصرنا ؟ وهو رواية حفص عن عاصم، نقول له: إذا كان مصنّف الكتاب يحتجّ مثلاً لقراءة أبي عمرو، أو يذكرها لنكتة ما أثبتنا نصّها، وإذا كان الأمر يعود إلى مجرّد الاستشهاد بالآية بغض النظر عن قراءة معينة أثبتنا ما هو شائع في عصرنا ولا ضرورة للإشارة في الحاشية وإنما يشار إلى هذا في مقدمة التحقيق.

ومن الأوهام البارزة في إثبات الشواهد القرآنية ما يفعله بعض طلبة الدراسات العليا عندما يمرّون بقراءة متواترة أو شاذة غير رواية حفص إنهم يأتون بكلمات الآية من البرنامج الحاسوبي لرواية حفص ثم يحذفون من البرنامج لفظة الشاهد ويكتبونها بالرسم الإملائي، وهذا خطأ جسيم لأنّ رواية حفص سُجّل عليها في البرنامج الحاسوبي ما يتعلّق بالإدغام والإظهار ومد الصلة وأنت تريد إثبات رواية ورش أو قراءة ابن محيصن الشاذة فاختلطتْ الروايتان لأنّ رواية ورش أو ابن محيصن غير رواية حفص في أحكام التجويد، ثمّ إنّ القارئ في رسالتك قد لا ينتبه لما فعلْته من تعديل فيظنّ أنّ أمامه رواية حفص فحلّ المسألة بأن تنصّ في مقدّمة التحقيق أن ما كان موافقاً لرواية حفص أنزلته من البرنامج الحاسوبي، وما كان على غير هذه الرواية أثبتّه بالرسم العادي، والمجمّع الآن يعدّ مصاحف لجميع القراءات المتواترة، كلّ قراءة بمصحف خاص بها، وهذا يريح المشتغلين بالقراءات ولا ننس أن مسألة البرامج الحاسوبية شيء جديد وكنّا من قبل نرسم الآيات – حتى رواية حفص – بالرسم العادي، فما هذا الورع الذي يجعلنا نلفّق هذا التلفيق المشار إليه ؟

أما ضبط النص فذلك أمر جوهري يأتي على رأس مهمات التحقيق والضبط الذي نطالب به هو ضبط مشكل النص، وما يحتمل أن يخطئ في تلفّظه القارئ المستفيد من الكتاب، ويشمل هذا ضبط مشكل الأفعال، فيضع كسرة على عين صَعِد الجبل، ويضع فتحة على كاف يَركَن، ويضع كسرة على عين عِمادة الكليّة، وما نجده في أعمال كثير من طلبة الدراسات العليا أنه قد يضع كسرة على فاء (في)، ويضع فتحة على لام (إليه)، وفتحة على دال (دار).

هل يخطئ أحد في قراءة (في) و(إليه) و(دار) فلا ضرورة لضبط ما لا يحتاج ‘إلى ضبط من مثل ضبط الحرف الذي قبل الألف بالفتح، ومن اللازم ضبط ما يحتاج إلى ضبط وأرى أن يكون من توجيهات الإشراف العناية بهذا الضبط، أما الضبط الإعرابي لآخر الكلمة فذلك لا بدّ منه لمعرفة مواقع الكلم وفهم النص.

وضبط أسماء الأماكن ضروري مع تعريف موجز بها من مظان مواردها، كما أنّ ضبط الأعلام ضروري لأنه لا يدخله القياس وليس ثمة شيء يدلّ عليه.

ومن مجالات خدمة النص أن تحيل في توثيق على الكتب المتقدمة كتفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم وكتاب سيبويه ومقتضب المبرد والأم والرسالة للشافعي، وذلك لأن الكتب المتأخرة تستقي من هذه الكتب المتقدمة.

ومن مجالات خدمة النص كذلك، ألا توثّق بالواسطة. لقد درج كثير من طلبة الدراسات العليا على أن يقولوا في حواشيهم: "وذهب سيبويه إلى جواز ذلك" ثم يقولون: انظر: الارتشاف لأبي حيان، فلا يوثّق من سيبويه، أو يقول: ذهب ابن عصفور إلى منع ذلك، انظر: همع الهوامع. أين مقرب ابن عصفور وشرح الجمل له ؟ أو يذكرون ابن عطية ويحيلون على بحر أبي حيان، مع أن محرّر ابن عطية مطبوع.

وقد فتحتْ المكتبة الإلكترونية للباحثين باباً واسعاً ليرتادوه، فإذا عسر عليك الوصول بنفسك فاستعن بها ولا تنس أنها منطلق فقط، فلا بدّ من العودة دائماً إلى الكتاب الأصل نفسه.

وثمة أخطاء تشيع لدى طلبة الدراسات العليا فقد يترجم لفقيه حنفي من كتاب "وفيات الأعيان" أو يترجم لنحوي من كتاب "طبقات الشافعية"، أو يترجم لصحابي من كتاب "تهذيب الكمال"، أو يأخذ ترجمة عالم من السلف من أعلام الزركلي، وكذلك في المسائل العلمية تراه يوثّق قراءة أبي عمرو من كتاب الحجّة للفارسي.

إن القاعدة المنهجية في ذلك أن تعود إلى المصدر الرئيس في التخصص، فترجمة الفقيه مكانها في تراجم الذهب الفقهي المعين، فللشافعية طبقاتهم، وللحنابلة طبقاتهم، وللصحابة مراجعهم، وتوثيق القراءة يكون من كتب القراءات كالسبعة والنشر، أما حجة الفارسي فنحيل عليها ما يتعلّق بتوجيه القراءات.

وقد يعود طالب الدراسات العليا المحقق إلى قراءات مجمع اللغة العربية لتعريف الفعل المتعدي وهذا فيه نظر، فالكتاب الحديث يؤخذ منه ما نود أن نناقشه به، كأن يبتدع قسماً ثالثاً غير اللازم والمتعدي.

وينبغي أن يرتب المحقق المؤلفين قبل الشروع في التوثيق بحسب وفياتهم في الحواشي، فيكون أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 223هـ قبل ابن قتيبة المتوفى سنة 276هـ، وصاحب إنباه الرواة المتوفى سنة 624 هـ يكون قبل السيوطي المتوفى سنة 911هـ، والذهبي المتوفى سنة 748هـ قبل ابن كثير المتوفى سنة 774هـ وهكذا.

ولا تنس يا أخي أن تثبت الواو العاطفة بين قولك: انظر إنباه الرواة وبغية الوعاة. وفي صياغة الترجمة ترد عبارات إنشائية في التعريف بالعلَم مع أن الترجمة موجزة فيقول فيها المحقق مثلاً: من أكابر العلماء، أو يقول: مشهود له بالخير، أو يقول: كان تقياً ورعاً، وهذه العبارات يمكن أن تقال في كل علَم، فينبغي العناية بضبط العلَم واسمه واسم أبيه ولقبه وتخصصه وأهم كتبه ووفاته، ثمّ يأتي ذكر المرجع المناسب له، ولا بدّ من تجاوز هذه العبارات الإنشائية العامة.

وقد تعوّد بعض إخواننا أن يوثّق الشاهد الشعري من عشرين مرجعاً، وجلّها مصادر متأخرة، وفي هذا إضاعة للوقت، وإثقال للحواشي بما ليس فيه جدوى، وذلك لأنّ هذا التوثيق فائدته تنبيه القارئ أنّ القاعدة التي قررها المصنف لها ما يُثبتها من شواهد اللغة، وهذا البيت مثلاً هو من شواهد سيبويه، وسيبويه ثقة، يقول مثلاً: سمعته من الأعراب، أو أن هذا البيت لجرير، وجرير له ديوانه وهو معروف بالفصاحة، وممن يستشهد بشعره، أو أنّ هذا البيت رواه المفضل الضبي في المجموعة المسماة بالمفضليات وهو ثقة، ومن هنا ينبغي الحرص على إثبات المراجع المتقدمة التي شافهتْ العرب، فيكفي في ذلك الديوان، إن توافر للشاعر، مع مرجع أو مرجعين متقدّمين، فما فائدة أن تسرد لي عشرين مرجعاً متأخراً ينقل بعضها عن بعض؟

أيها الإخوان، ومن أوجه خدمة النص الاجتهاد في تحديد هوية الأعلام، عندما يكتفي المؤلف بقوله: في حديث سهل أو قيس أو فاطمة أو الحارث، وكل علَم من هؤلاء يشاركه في اسمه الكثير، وقد واجهتني هذه المسألة في تحقيقي للنهاية في غريب الحديث، فكنتُ أعود إلى مظان الحديث من الصحاح والسنن مثلاً، فقد يذكر في أحدها بأنّه مثلاً الحارث ابن عوف، فإذا كان نص النهاية مثلاً: وروى ابن شبرمة عن الحارث عدتُ إلى "تهذيب الكمال" لأتعرّف على الأعلام الذين تبدأ أسماؤهم بالحارث، وأتتبّع الحارث الذي روى عنه ابن شبرمة، فأكون قد اهتديت إلى العلَم الأول فهو الحارث بن يزيد العُكلي، وقد يذكر ابن الأثير علَماً له قصّة في السيرة، ولكنه ذكره بلفظ زيد، فأعود إلى فهرس الأعلام في السيرة، وأتتبع مظان القصة، فقد أهتدي إلى ورود زيد وهكذا.

وعند تحقيقنا للإتقان تبيّن لنا أنّ السيوطي نقل كثيراً من النصوص عن كتاب" البرهان" للزركشي من غير أن ينصّ على أنّه استقاها منه، وهنا لا بدّ أن نعرف شيئين: أماكن ورودها في البرهان أولاً ثم من أين استقاها صاحب البرهان؟ فإن قال صاحب البرهان:"قال فلان" اجتهدنا في العودة إلى كتابه إن كان مطبوعاً أو مخطوطاً لتوثيقه.

وهنا تبيّن لنا أنّ ثمّة تصرّفاً في النصوص بالاختصار أو التقديم والتأخير، فلا تتعجّبوا من هذا، فإن كان ثمّة ضرورة لإقامة النص أو بيان صحّته قلنا في الحاشية: في الأصل كذا، وإن كان ثمّة توافق بين الأصل وما نُقل منه فلا ضرورة للإشارة لأنّ معظم مؤلّفي السلف جَرَوا على شيء من التصرّف في نقولاتهم.

وبرامج الحاسوب في أيامنا نعمة كبيرة ينبغي استثمارها، ولكن تكون لك كاشفة معينة على الوصول إلى بغيتك فهي المحطة الأولى وليست المحطة الأخيرة، ففي تخريج الأحاديث لا مانع أن تعود إلى البرنامج الحاسوبي ليدلّك على أنّ الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى برواية كذا، ورواه الطبراني في المعجم الصغير برواية كذا، فلا بدّ من العودة إلى أصل الكتابين لتتأكّد بنفسك، لأنه لا يُرْكن إلى ما كُتب في المكتبة الإلكترونية، فقد يكون ثمّ خطأ حدث في أثناء الإدخال.

وكذلك الأمر في تخريج النصوص من كتب الشروح، فتعود إلى القرص الذي يتضمّن فتاوى شيخ الإسلام للوصول إلى النصّ المطوّل في الكتاب الورقي نفسه وهكذا، ومثل هذا يقال في الموسوعات الشعرية.

وينبغي توحيد منهج الباحث في تخريج نصوص الحديث وتوثيقها. بعض المحققين يكتفون أحيانا برقم الحديث وصفحة وروده في الكتاب، ثم تراه يحذف الرقم أو الصفحة في أمكنة أخرى، ثم تراه يضيف الباب والكتاب في مواضع أخرى.

كما ينبغي العناية بإثبات الرواية التي يريدها المؤلّف، ولا يجوز تغييرها إلى ما في صحيح البخاري مثلاً بحجّة أنها المشهورة، وذلك لأنّ المؤلف يروي رواية غير رواية البخاري مثلاً.

وقد اعتاد بعض المحققين أن يُثقلوا حواشيهم بمعلومات الطباعة للمصادر التي يعودون إليها، ولا أرى أية فائدة لذلك لأنّ قائمة المراجع الأخيرة كفيلة بأن تسرد جميع المعلومات، ولكن تكتب عنوان المرجع واسم مؤلّفه كاملَين عند وروده للمرة الأولى، وإن تكرّر اكتفيتَ بالعنوان، إلا إذا اشترك عنوان الكتاب مع عنوان آخر فيُلحق بكلّ واحد منهما اسم مؤلّفه.

وبعض المحقّقين يضعون حواشيهم مجموعة في آخر الكتاب، وهذه طريقة غير مُجدية، وتشتّت ذهن القارئ في التنقّل إلى الصفحات الأخيرة مع كلّ حاشية، والأولى أن تكون حواشي كلّ صفحة بأسفلها.

والتوازن أمر ضروري في أعمال المحقق المتعدّدة. ما معنى أن تختلف الصفحات في خدمته للنصوص ؟ بعضها يضبطه ضبطاً وافياً، وبعضها يندر ضبطه، وكذا في موضوع علامات الترقيم، وفي المقدمة تحدّث عن عصر المصنّف حديثاً مطوّلاً، ولكنّه أوجز في فقرات أخرى، وهو أيضاً يشرح المشكل من عبارة المصنّف، ولكنّه يتغافل عنها أحياناً.

وفي مجال التعليق ينبغي أن يتفق الطالب مع مشرفه عن ضوابطه حتى لا يُتّهم بالإسراف أو التقصير. ناقشتُ مرّة رسالة في اعتراضات السمين على أبي حيّان، كان من هذه الاعتراضات فقرة عن تقديم الخبر على المبتدأ إذا كان الخبر محله الصدارة، فنهض المحقّق ليشرح جميع مواضع تقديم الخبر على المبتدأ وجوباً في عشرين سطراً، وهذا لا داعي له، فكان عليه أن يلتزم بفقرة: ممّا له الصدارة.

ومن أمثلة التوازن المطلوب مسألة شكلية، وهي ازدحام بعض الصفحات بالكتابة من غير أن نبدأ بسطر جديد، وفي بعض الصفحات يبدأ المحقّق سطراً جديداً بمسوّغ وبغير مسوّغ، فالتوازن والتوسّط مطلوبان.

وثمة سؤال وارد في أعمال المحقق وهو: متى يُشار إلى التصحيف والتحريف والسقط في المراجع التي يعود إليها المحقّق ممّا لا علاقة له بنص المؤلّف الذي يحقّقه؟ بعض المحققين يقحم في حواشيه تنبيهات عن ذلك لا تتعلّق بالنص، أو ترى المحققَ ينتقد محققين آخرين، وينبّه على أوهام يراها في حواشيهم. ينبغي ألا يُفتح الباب على شيء من هذا لكيلا تَثْقل الحواشي بما لا صلة له مباشرة بالنص.

ومن المناسب أن يكون مصطلح "تحقيق ودراسة" فلان له ما يسوّغه ويوفّيه وهذا يكون بكتابة مقدمة تنبئ عن جهد وعمق وإضافات حقيقية، فإذا كان المؤلف مشهوراً فلا داعي للتطويل في مسائل مدروسة من قبل عن ترجمته فصّل فيها محقّقون ومؤلّفون قبلَه، وينبغي أن يُعنى بإضافات وتحقيقات جديدة ومناقشات جديدة يتعقّب فيها الفرسانَ السابقين، فلا يكرر أعمالهم، وإذا كان المؤلّف غير مشهور في كتب التراجم وليس له ترجمة وافية فعليه ألا ييئس من التنقيب والبحث عن بغيته في العثور على ما ينشده. وأذكر أنني اجتهدتُ كثيراً للوقوف على ترجمة وافية للمالقي أيام عملي في رصف المباني" فلم أعثر إلا على شذرات يسيرة، وقضيتُ في مكتبة جامعة القاهرة أياماً وليالي إلى أن وقفتُ على كتاب "الإحاطة في أخبار غرناطة" للسان الدين بن الخطيب الذي كتب صفحات مطوّلة عن المالقي فشفى غليلي ورواني بعد عطش.

ودراسة الكتاب عند بعض المحققين عبارة عن بطاقات فقط. ناقشتُ مرة رسالة عن غرة ابن الدهّان فلم ألمح في الدراسة غير بطاقات جمعها المحقق عن القياس والسماع وأصول النحو لا تتجاوز شواهد جمعها المحقق من النص فلم يعالجها ولم يستثمرها لصنع دراسة حقيقية.

وبعض المحققين إذا وصلوا إلى المرحلة الأخيرة من عملهم وهي متابعة تصحيح تجارب الطباعة تراهم يلهثون من التعب، ويلاحقهم موعد تسليم الرسالة، فيتساهلون في الأخطاء الطباعية والضبط والفهارس، فتفوتهم أشياء كثيرة لها أهميتها البالغة مما يتصل بإتقان العمل، وليست هذه كماليات وتحسينات يمكن أن نغضّ الطرف عنها.

وعلى المحقق أن يدرك طبيعة الكتاب وما يلزمه من فهارس نافعة، وعلى أي مبدأ يتمّ صنع هذه الفهارس، والفهرسة باب نافع للوصول إلى ما عند المؤلف من كنوز، وفي ذهني ثلاثة أمثلة: كتاب المذكر والمؤنث للأنباري خلا من فهرس اللغة، كلما عدت إليه لأتعرّف رأيه في لفظة معينة أُصبتُ بالإحباط، كيف أبحث عن كلمة "ذهب" و "عضد" في كتاب من ثمانمئة صفحة؟

والمثال الثاني كتاب الممتع في التصريف لابن عصفور، صنع محققه فهرساً للأمثلة الصناعية يعرف أهل الفنّ فوائده الجمّة خلال ثوان أصل إلى ما قاله ابن عصفور في قلب الواو ياء في فقرة معينة، وهي إذا كانت اللفظة مصدراً نحو: قيام، وذلك لأنّ المحقق وضع قائمة للأمثلة الصناعية نحو: قيام وصيام.

والمثال الثالث فهرس الآيات في كتاب سيبويه بتحقيق الأستاذ هارون لقد رتّبه مع غزارته بطريقة صعبة غير مجدية تتعدّد فيها الاحتمالات والاجتهادات وذلك بحسب اللفظة المشهورة في كلمات الآية، في حين أنّه لو رتّبه بحسب ورود السور والآيات في المصحف كان أجدى بكثير.

وأخيراً موضوع قائمة المراجع لا أرى طريقة الترتيب وفق أسماء المؤلفين عملية نافعة، إنها تناسب البحث الغربي الذي لا يكون فيه لاسم المؤلف إلا صيغة واحدة، أما المؤلفون المسلمون في تراثنا فلهم أحياناً شهرة باسمهم، وأحياناً بلقبهم، وأحياناً بكنيتهم، ومن هنا فإنّ كتابة عنوان الكتاب أسهل للوصول إلى معلومات الطباعة، فإن كان للكتاب عنوانان كتفسير الطبري، واسمه "جامع البيان" كُتب مرتين، مرّة بمعلوماته الطباعية، ومرة بالإحالة على الموضع الذي يحوي هذه المعلومات.

وقد يعتمد الباحث على طبعات تجارية ضعيفة للمصنفات العلمية، إذ يبتهل فرصة المعارض ويشتري ما تقع عينه على دواوين شعرية أو مؤلّفات من غير أن يعير انتباهاً لجودة التحقيق فيها، فيًحرم نفسه من فوائد جمّة مودعة في الديوان المحقّق تحقيقاً علمياً، من قِبل عَلَم له قَدم راسخة، وهذه الفوائد تتّصل بضبط الأبيات ومظانّها وتخريجها والمستدرك الذي جمعه المحقق ممّا فات شارح الديوان، وفهرس اللغة فيه يسهل عليك الوصول إلى بغيتك كما أنّ الجانب العروضي مهم لإحكام البيت، ومن ذلك: الاعتماد على طبعة دار الكتب العلمية لكتاب القرافي: الاستغناء في الاستثناء وإهمال الطبعة العراقية بتحقيق د/ طه محسن، واعتماد الطبعة التونسية لكتاب الأغاني للأصفهاني وإهمال طبعة دار الكتب المصرية، واعتماد طبعات رديئة للفائق في غريب الحديث والمنصف لابن جنّي مع توافر طبعة محمد أبو الفضل إبراهيم وإبراهيم مصطفى، واعتماد طبعة دار الكتاب العربي في بيروت لأمالي القالي وإهمال طبعة دار الكتب المصرية، واعتماد طبعة دار الكتاب العربي في بيروت لديوان الأخطل وإهمال طبعة د/ فخر الدين قباوة وإهمال طبعة دار الجيل لديوان تميم بن مقبل وإهمال طبعة د/ عزة حسن.

واعتماد طبعة عمر الطباع اللبنانية لديوان جرير وإهمال طبعة الصاوي. واعتماد طبعة دار بيروت لديوان حاتم وإهمال طبعة الدكتور عادل سليمان.

واعتماد طبعة دار صادر لديوان جميل وإهمال طبعة د/ حسين نصار، واعتماد طبعة دار الكتاب العربي لديوان سلامة بن جندل وإهمال طبعة فخر الدين قباوة.

واعتماد طبعة دار الجيل ببيروت لديوان ذي الرمّة وإهمال طبعة د/ عبد القدوس، واعتماد طبعة دار الجيل لديوان الراعي وإهمال طبعة نوري القيسي العراقية.

واعتماد الطبعة اللبنانية لديوان العجاج وديوان أمية وإهمال طبعة د/ عبد الحفيظ السطلي لكلّ منهما. واعتماد طبعة دار الكتاب العربي لديوان الفرزدق وإهمال طبعة الصاوي.

واعتماد طبعة دار الفكر العربي لديوان كثيّر عزة وإهمال طبعة د/ إحسان عباس، واعتماد طبعة دار صادر لديوان لبيد وإهمال طبعة إحسان عباس، واعتماد طبعة دار صادر للنابغة الجعدي وإهمال طبعة عبد العزيز الرباح واعتماد طبعة دار الكتاب اللبناني للأعشى وإهمال طبعة محمد حسين واعتماد طبعة دار الكتاب العربي لحسّان وإهمال طبعة وليد عرفات واعتماد طبعة دار الفكر العربي لزهير وإهمال طبعة دار الكتب لشرح ثعلب.

 

د. أحمد الخراط
 

 تواصل معنا 
 
عبر رسائل الجوال

عبر البريد الإلكتروني

 
  إستفتاء 
 

لا يوجد إستفتاء للعرض
 

لأفضل تصفح إستخدم متصفح إنترنت إكسبلورر مع عرض 1024 × 768 أو أعلى